نازلة ولد مخيطير


المحامي ولد امين

إذا أنت لم تشرب مراراً على القذى ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه؟
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها ؟ كفى المرء نبلاً أن تعد معايبه
بشار ابن برد

ذات مساء صيفي قائظ،، أتاني عبر الهاتف، صوت صديق عزيز يطلب ملاقاتي وعلى الفور،ليخبرني بنبأ هام. استشرفت من نبرته أن بجعبته خبراً جللاً فحددت له مكان تواجدي وما هي إلا دقائق حتى كان أمام دارنا، فخرجت نحوه ووجدت برفقته شخصاً ودوداً، سبق وأن تعرفت عليه وأصبح صديقاً عزيزاً هو الآخر، يدعى “مولاي أحمد” وهو رجل أربعيني يمارس التجارة وينحدر – كما تفيد بذلك تسميته- من الدوحة الشريفة. وجود شخص آخر برفقته جعلني أميل إلى أن النبأ الذي بجعبته لا علاقة له بالسياسة والهم العام، حيث درج الناس ببلادنا على تجنب الحديث في السياسة هاتفياً، لذا ساورني شعور لزج بالغرابة والتعجب.
بعد تبادل السلام والتحية.. قال لي صديقي سالف الذكر أن مولاي أحمد هذا يريد أن يقول لي شيئا ما !
مولاي أحمد إنسان محمود السيرة والسلوك ويعتبر في معايير الشريعة شخصاً عدلاً يصلح للتزكية والشهادة أمام أكثر القضاة تشدداً..لذلك أكتب لكم ما قال بأمانة وحرفية:
“… منذ ساعات قليلة كنت نائما وحظيت برؤية المصطفى صلى الله عليه وسلم…. وكان الناس يتجمهرون حول المكان الذي جلس فيه ويتزاحمون لرؤيته.. ثم تمكنت من الاقتراب من مجلسه فوجدتك قبالته تحادثه وتستمع إليه ورأيتك حين خرجت من حضرته طافحاً بالصباحة والجذل..وكان في يدك ملف اخضر فسألتك عن أحوالك وعن حقيقة أمرك مع النبي فقلت لي بسعادة وحبور: لقد فرجت بحمد الله.
ثم دخلت أنا على النبي من بعدك فوجدته -صلى الله عليه وسلم- باسماً يتحدث عنك وفي خضم حديثه عنك أمرني أن أعطيك مبلغاً محدداً من المال ! ”
بالفعل سلمني ذلك المبلغ ..وافترقنا ولم نلتق بعدها إلا لماماً.
هل فيكم أيها القراء الأعزاء من يستطيع أن يُخمن -ولو لحظة واحدة- حالتي الوجدانية بعد تسلمي لهذه الرسالة النبوية التي حملها إلي ذلك الشريف المحقق؟
شخصيا أعجز عن وصف حالتي النفسية ساعتها….ولكم أن تتخيلوا دون حرج مدى فرحتي وسعادتي.
لقد حاولت مراراَ تعبير هذه الرؤيا المباركة التي قادتني إلى الغوص في كتب السيرة النبوية الطاهرة وكتب التراث المتعلقة برؤيا النبي وغير ذلك من علوم الدلالات والدراية بل التمست تفسيرها عند عدد غفير من العلماء الكبار في بلادنا وفي دول إسلامية أخرى.
في أكثر من مرة وصلت إلى حالة استثنائية رائعة استقر عليها فهمي ومفادها انه : ربما ستتاح لي فرصة نادرة لأقدم عملاً سيسترعي الانتباه وسيصب في مصلحة المسلمين وأن ذلك العمل مرتبط بشخص النبي صلى الله عليه وسلم وأنه أرسل إلي أتعابي مع سبطه سالف الذكر.
قد يتبادر لذهن القارئ أنني أتباهى بهذه الرؤيا… وهذا صحيح تماماً.. فقد تحدثت عنها على صفحتي في الفيسبوك ومنذ سنوات عديدة، وكل من يعرفني، يعرف تأثيرها في حياتي الفكرية والسياسية إذ كثيرا ما ألهمتني ذلك الإحساس النادر بالسكينة والعزة… حتى لا أقول الشعور الغامر بالاصطفاء والاجتباء والوصال.

ثم هاجت نواكشوط وكل موريتانيا بعد أن نشر محمد الشيخ ولد محمد مخيطير نصا سخيفاً موجها لطبقة “المعلمين” وهو نص مكتظ بالتقول والاختزال والسوء ووصل إلى نتائج تخرج – حسب الراجح عند الفقهاء- صاحبها من الملة.
خرج رئيس الدولة إلى الملأ وذكر الناس بأننا دولة إسلامية غير علمانية ثم توعد كاتب النص بأشد عقاب… واندفع الكثيرون يطالبون برأس المتهم.
بكل صراحة ما حصل لولد مخيطير نتيجة منطقية لمن يعاين المتون دون التسلح بالأدوات العلمية المعهودة فيختلط عليه اليقيني بالمحتمل والضعيف بالراجح ثم يلوذ في حيرة وتأزم نحو كتابات أهل الزيغ فينزلق والعياذ بالله.
التصدي للفتوى من قبل الجاهل كان دوما وبالاً عليه وحسرة، ومرده استحالة الوصول إلى حالة الجزم واستخلاص الحكم حول أي أمر شرعي لكل من لم يصل إلى مكامن الدراية الكبرى التي تعرف فقهياً بمرتبة الاجتهاد.. ورغم ذلك فانني استغربت ساعتها ومازلت استغرب كيف فات على أهل العلم والمعرفة أهمية الرد الشافي على صاحب المقال وضرورة مقارعة الحجة بالحجة.
إن امتناعنا -أو عجزنا- عن الرد المقنع والمقبول لعقول الناس كافة – بمن فيهم غير المسلمين- يؤدي لا محالة إلى توطيد صورة سلبية ومؤسفة عنا كأمة مسلمة ؟
لقد كنت ولسنوات طويلة، ممن تكفلوا بتمثيل الشعوب المسلمة في دار الكفر، لذلك أعرف-ربما أكثر من غيري- ما يقال عنا في أصقاع شاسعة من هذا العالم الرحيب. وأقر بأنه يحز في نفسي كثيراً سماعهم يقولون بأننا أناس أجلاف وأهل عنف وطيش.. كيف لا وفيهم من أصبح يعتقد ويكتب صراحة ما مفاده أن الدين الإسلامي دين إرهابي يفرض الناس بالقسر على البقاء فيه ، وان الأمة الإسلامية في عمومها وخصوصها غير قادرة على إنتاج المعرفة وغير قادرة حتى على المحاججة.
أعتقد أن هذه الكوة هي المدخل الذي تسربت منه الموجة الإلحادية العدمية التي أصبحت تتفاحش تحت باصرتنا بين شباب المسلمين في الانترنت ، فقد درج أعداء الإسلام من المستشرقين وبعض السذج من المسلمين على الاستشهاد بمبالغات وتخرصات أشخاص من نوع ابن إسحاق….الذي اعتبره سيدنا مالك ابن أنس ” دجالا من الدجاجلة” ورفض اعتماد أقواله والرواية عنه، وابن هشام الذي نسج من خياله الخصيب والطفاح الكثرة من الروايات والطبري وما أدرانا ما الطبري.. وغيرهم من أصحاب التواريخ غير المنطقية التي لا يتقبلها عاقل…ولا أدل على تناقض مروياتهم من عدد بني قريظة(600 ربما 1000 وقيل 3000) ثم كيف اسكنوا في دار واحدة وكيف قتلوا بمؤشر الإنبات أي شعر العانة وحجم الخندق الذي رميت فيه جثثهم.
ولد مخيطير ليس أول من استشهد بالطبري حول مصير بني قريظة تحديداً ولا أظنه سيكون الأخير… وهو استشهاد مجحف ويؤدي إلى نتائج مبتسرة ومتسرعة تؤكد وقوع إبادة جماعية لهذه القبيلة العربية اللسان واليهودية الدين وكأن ما وقع “هولوكوست” حجازي يصلح – مع نزر قليل من سوء النية- للاستخدام والمجادلة بغية إضعاف الخصم المسلم وإرباكه وربما الإجهاز عليه.
الغريب في الأمر أن هذه الواقعة ليست بالضرورة كما يقول الطبري، بل لم تكن كما قال، بالقطع والجزم واليقين، فالبخاري ومسلم يؤكدان حدوث محاكمة طالت مقاتلة بني قريظة فقط دون غيرهم والمقصود بالمقاتلة هنا هم قياداتهم التي خانت عهد الأمة ودستور التحالف المدني ومن المعروف عند الإخباريين أن هذه المحاكمة حصلت طبقاً للشريعة اليهودية برئاسة سعد ابن معاذ.
لقد كانت محاكمة عادلة حتى بمعايير أوروبا في عصرنا الراهن. وتحصل مثيلاتها في جل دول العالم التي تعاقب بالإعدام -وحتى يوم الناس هذا- كل من تسول له نفسه حمل السلاح ضد الدولة وهي في حالة الحرب.
لقد نهج بعض كتاب السير منهجاً آخر، فمنهم من يرفض وجود القصة من أصلها وفرعها ويتحدث عن عملية إجلاء لم يقتل فيها أحد، وهذا ما ذهب إليه من أهل زماننا السعودي عبد الله ابن قرناس في كتابه الشهير سنة الأولين الذي يستدل فيه بأدلة كثيرة منها النقلي ومنها العقلي ولعل أكثرها طرافة نتائج الحفريات الضخمة التي قامت بها المملكة العربية السعودية أثناء توسعة الحرم المدني في عهد الملك فهد- رحمه الله- فحيث أن مساحة الحرم المدني الحالية تشتمل على كل رقعة المدينة المنورة خلال عهد النبوة .. فاستخلص من ذلك انه لو كان هناك قتل جماعي كما يزعم “الطبريون” لعثر عمال الحفر الذين وصلوا إلى أعماق بعيدة وعلى كل الرقعة المدنية على الخندق -أو المقبرة الجماعية- التي يزعم الطبري أن بني قريظة كوموا فيها كالجرذان. وليس في الأمر عجب فقد عثر الباحثون – بالتنقيب وأحياناً بالصدفة- على مقابر جماعية ومنذ آلاف السنين في أماكن تروي الكتب التاريخية حدوث عمليات التصفية الجسدية المعروفة بالإبادة الجماعية فيها . تبعاً لذلك وصل هذا الباحث إلى الجزم بأن مصير يهود بني قريظة كان هو نفس مصير جل يهود الحجاز ألا وهو الإجلاء الجماعي بموجب ضمانات الأمن.
في نفس السياق يستدل العالم الفلسطيني عدنان ابراهيم في رفضه لقصة المذبحة على حديث عائشة عن درع الرسول المرتهنة عند تاجر يهودي وهذا ما يثبت بقاء أفراد منهم في المدينة وضواحيها وحتى بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم وفي نفس السياق يسرد قصة المتسول اليهودي الذي أمر عمر الفاروق منحه الكفاف من بيت مال المسلمين وكلها أحاديث ثابتة في “الصحاح” والمرويات الموثوقة.
لقد ازدادت دهشتي أيضا حين حاولت التعرف على مصير بني قريظة من المصادر اليهودية وقد سبق عندي العلم ان الشريعة الموسوية تولي العناية الفائقة لجثث الأموات وتساوي بين جسم اليهودي الحي وجثة اليهودي الميت ولا أدل على ذلك من الصفقات التي أبرمتها دولة إسرائيل مع حزب الله لاستعادة جثمانين مقابل مئات الأسرى العرب الأحياء..وحسب نفس التقاليد نجد اليهود العرب وحتى بعد نزوحهم إلى الدولة الصهيونية يواصلون الاهتمام المفرط بمقابرهم في الدول العربية ويؤجرون لحراستها أشداء القوم ومن ألقى نظرة عجلى على مقابر اليهود من بغداد شرقاً وحتى الصويرة غرباً سيصعق من درجة الاهتمام وتكاليفه المرتفعة مالياً.
من المعروف أيضا ان اليهود، وبعد ان تمكنوا من التغلغل والسيطرة على دوائر النفوذ في كبريات دول العالم، أخذوا يطالبون بتعويضات جسيمة من كل الدول والأمم التي تعرضوا فيها للاضطهاد فأصواتهم ترتفع بالمطالبة بحقوقهم من ألمانيا والنمسا وسويسرا وفرنسا.. ويتبارى كتابهم ومؤرخوهم في تحديد خسائرهم خلال السبي البابلي ويدرسون سبل تكبيل العراق به وكيف يمكنهم طلب تعويضات من مصر عن الأضرار التي ألحقها بهم فرعونها الذي عاصر موسى الكليم عليه السلام.
بكل بساطة الذاكرة اليهودية متقدة وملتهبة ولا مكان للنسيان فيها.
ونقبت في الذاكرة اليهودية فوجدت ان بني قريظة ارتحلوا شمالا صوب سواد العراق واختلطوا فيه بيهود بابل وخلال الفتح تعرف العرب على بعضهم وأقروهم على أعرافهم وظلوا أهل ذمة محفوظة ٌحقوقهم وحتى خروجهم الجماعي من العراق في منتصف القرن المنصرم.
لم أجد في المصادر اليهودية دعوى واحدة تقول بحصول مذبحة في المدينة أو خيبر بل العكس تتواتر المصادر اليهودية على نفي الأمر وتتفق على أن ما حصل مجرد عمليات إجلاء مألوفة ومن بين المنحدرين من يهود الحجاز مشاهير من اليهود ومشاهير من المسلمين… منهم على سبيل المثال لا الحصر الشاعر العراقي الكبير أنور شاؤول القائل:
إن كنتُ من موسي قبستُ عقيدتي فأنا المُقيمُ بظل دين محمد
وسماحة الإسلام كانت موئلي وبلاغة القرآن كانت موردي
مانال من حبي لأمة أحمد كوني علي دين الكليم تعبدي
سأظل ذياك السموأل في الوفا أسَعدْتُ في بغداد أم لم أسعد

ومن بينهم أيضا العلامة العراقي الكبير المرحوم أحمد نسيم سوسة عضو مجمع اللغة العربية والذي رفض النزوح إلى إسرائيل ثم قادته بحوثه حول تاريخ اليهود العرب إلى دخول الإسلام وقد حسن إسلامه وألف عشرات الكتب الرصينة والموضوعية في المسألة اليهودية وفي القضية الفلسطينية وكان رحمه الله جامعة مكتملة وقد تتبع مسار يهود الحجاز في نزوحهم إلى العراق واليمن وبلاد افريقية ووصل إلى نتائج باهرة خصوصا بعد معاينته لكل التراث العبراني المتعلق بموضوع البحث.
وحسب مصادر يهود العراق فقد أناخت جمال بني قريظة في نواحي الحلة ،ومنهم من جاور قبر نبي الله ذي الكفل، ومنهم من استقر جنوباً، واغلبهم يعتقد ان قبيلة القرايظة العراقية هم أحفاد بني قريظة ولعل بعض العراقيين المناوئين لدولة الرئيس نوري المالكي العلي لا يتردد في تذكير الناس بنسب آل العلي وانحدارهم من بيت العلي القرايظي اليهودي الذي أعطى للعرب مواهب موسيقية فذة تدعى :صالح وداود الكويتي.
شخصياً لا أجد أي حرج في تجنب ما ذهب إليه الطبري وأمثاله، فالطبري ليس من الصحابة.. وليس تابعياً.. وليس شاهداً فهو لم يعاصر تلك الفترة إطلاقاً والحقيقة التاريخية المتفق عليها تؤكد ان بدايات التدوين بدأت بعد قرن ونيف من وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم. وتزامنت مع حركة الفتوحات أي في الزمن الذي كان العرب يعيشون فيه في حالة التوسع والتمدد ،وفيهم من كان يبحث عن مسوغات شرعية تبيح له القيام بما يريد من مخالفات. وهذا ما يعلل كثرة الوضاعين للأحاديث الملفقة والوقائع المزيفة وقد حاول العلماء التصدي للوضاعين وأكاذيبهم فابتدعوا علم طبقات الرجال وتقنيات غربلة السلاسل لكن الطبيعة الإنسانية تأبى الخضوع فتسربت إلى كثير من الكتب أحاديث وأقوال نسبت لنبي الرحمة مشكوك فيها ومازال الخلاف بين أجلاء العلماء محتدم في أكثر من مسألة فقهية أو تاريخية.
في نص ولد مخيطير غلط علمي آخر حيث وصل إلى أن المساواة بين البشر غير موجودة في الدين الإسلامي معتمدا على مقارنة متسرعة بين مآل سيد مكة أبي سفيان ابن حرب وعقيلته هند بنت عتبة وحال وحشي الذي استفاد-دون تبجيل- من العفو النبوي يوم الفتح .
ما فات عليه هو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب صفات متعددة ومنها انه كان قائداً عسكرياً ومؤسساً لأمة الإسلام كتنظيم اجتماعي وسياسي ومن المعروف في علم السياسة وعبر كل العصور أن أي دولة حين تنتصر عسكرياً على دولة أخرى وتلحقها بحوزتها ،عليها أن تتجنب قلب المؤسسات الاجتماعية والسياسية بسرعة خوفاً من إراقة الدماء وهذا لا يتناقض مع فكرة المساواة القانونية بين الأفراد. فمثلاً حين نادى المنادي في أهل مكة :”…من أغلق عليه باب بيته فهو آمن ومن دخل بيت أبي سفيان فهو آمن..” تتضح المساواة وتظهر الحنكة السياسية في آن واحد وليس في ذلك تناقض البتة.
تتضح المساواة حيث دخول بيت أبي سفيان يؤدي إلى الأمن.. ودخول أي بيت آخر في كل مكة يؤدي إلى الأمن أيضا. وتظهر المهارة السياسية العظيمة في ذكر أبي سفيان دون غيره اعترافاً بمكانته كقائد للدولة المهزومة وفي ذلك ما فيه من تجنب حشره في الزاوية الذي لو وقع لقاد الناس إلى سيناريوهات انتحارية وشلالات دماء مجانية.
وبرهنةً على ما سلف لنمعن النظر في احتلال أمريكا لليابان ولنقارنه باحتلالها للعراق ففي الحالة الأولى نجد انه بعد جنوح اليابانيين للسلم أخذ هاري ترومان” بالمنهج الإسلامي الصحيح” واعترف بالمؤسسات القائمة وحفظ لإمبراطور اليابان كبرياءه الخاص وساعد ذلك في تسهيل نزع سلاح اليابان واقتلاع العنف “الكاميكازي” من جذوره وها هي شعوب اليابان تولى ظهرها لنزق “الساموراي” وتساهم بشكل ملموس في إحلال السلام في كل الكوكب الأرضي.
خلافا لذلك اندفع جورج بوش الابن كالثور الهائج في منهجية “صليبية” متجاهلاً المؤسسات القائمة فأمر بمطاردة قيادات العراق واجتث الجيش والأمن والحزب الحاكم وانجرف ينفذ أجندات انتقامية غير حصيفة البتة… والنتيجة كما هو جلي، انفراط عقد الدولة العراقية وتوطن الإرهاب لسواد العراق ودفع أمريكا نفسها باهظ الثمن من الدم والمال ثم انسحابها بتسرع وخيبة وها هي الحرب متواصلة، بل هاهي تفرز كيان داعش الغريب الذي يروع الناس… كل الناس وفي كل مكان.
لا يخفى على القارئ الموريتاني لنص ولد مخيطير انه ينزع بين السطور إلى القول بأصول يهودية لفئة المعلمين وهو قول خرج من رحم المعاناة غير الشرعية وغير الأخلاقية التي يتجرعها هؤلاء القوم وهي المعاناة التي تشكل نقطة ألم وجداني تتحرك كالسكين في داخل الجرح النرجسي المتقيح عند أغلب شباب المعلمين .
ليست الأصول اليهودية في شرع الله أمراً مؤذياً أو مزعجاً فشرع الله يفرض المساواة بين المؤمنين بل يجمع النسابة العرب والفقهاء في تفضيل أتباع الديانات السماوية على أتباع الديانات الوثنية وهذا أمر مسلم به بين كل المسلمين.
من الناحية التاريخية و الانتروبولوجية لم أجد دليلاً واحداً يؤكد هذا الأمر ولقد حاول علماء اليهود تحت رعاية فرنسا الاستعمارية دراسة الأمر بتمعن -ومنذ نهاية القرن التاسع عشر- ووصلوا إلى نتائج مناقضة ومن هؤلاء حاخام يهودي يدعى مردخاي ابو سرور وقد قطع الصحراء الكبرى باحثا عن بقايا البيع اليهودية التواتية التي دمرها محمد ابن عبد الكريم المغيلي سنة1492وتواصل مع قبائل طارقية وأخرى من شعب الحاوصا وعائلات قليلة من سونغاي أعالي نهر النيجر ووصل الى نتيجة قاطعة في شأن المعلمين الناطقين بالعربية والامازيغية ترفض أي ربط لهم بشعب إسرائيل.
وبعده انطلق عشرات علماء التاريخ والآثار لدراسة الأمر ووصلوا الى نتيجة مفادها أن سلطان فاس اعتبر المغيلي معتدياً على أهل الذمة وأنه استجلب جل اليهود باستثناء العائلات السالفة الذكر-وليس فيها معلم أو “أنهظ” واحد- للمغرب وتحديدا صوب ازمور وتارودانت وقرى الأطلس وظلوا على يهوديتهم وحتى الآن.
من الواضح ان المعلمين لا ينتمون لأصل واحد فمنهم العربي والزنجي والمهجن …ومن الواضح أيضا أن معاناة المعلمين تابعة لازدراء المهن اليدوية في المجتمعات المتخلفة ففي ثقافتنا البدوية الغريبة يحتقر الناس الحلاق والخياط والجزار-رغم حاجتهم له- وبشكل أكثر فجاجة الحداد والصائغ والرسام وهذا شأن كل المجتمعات البدائية ويتميز المجتمع الموريتاني الناطق بالعربية عن العرب قاطبةً بتراتبيته الافريقية المبنية على أسطورة المهن الوراثية. ولقد سبق واستفضت في هذا المبحث وحللت الدواعي النفسية لمحنة المعلمين في موريتانيا وافريقيا عموماً. وعلى كل حال، لا ضير في التذكير بأن المعلم في التنظيمات القبلية الموريتانية كان له دور سياسي يشبه دور الحاجب لشيخ القبيلة، ومن المعروف ان الحاجب سواء تمت تسميته ” امعلم” او مدير ديوان أو رئيس بلاط ملكي مكروه بسبب مكانته ونفوذه وإلى حدود المقت في كل المجتمعات. فحساد الملك وخصوم رئيس القبيلة من بني عمومته، أو منافسي شيخ الطريقة ومعارضيه، يسترخصون مهاجمة الحاجب الأعزل ويخصونه دون غيره بسهامهم وأحيانا بشكل مرضي هستيري.انه “سيندروم” أو متلازمة نفسية معروفة وقد استفاض أهل التاريخ في وصفها منذ الأزل وأسماها بعض أهل العراق “بالبرمكية” في إشارة واضحة لمحنة البرامكة الذين نالتهم سهام العرب والعجم بسبب نفوذهم عند الخليفة.

يعود الفضل لاهتمامي بمحنة المعلمين في موريتانيا إلى صديقي الفنان البلجيكي حمادي الهاشمي الذي ما إن أمعن النظر في رسومات ونقوشات المعلمين حتى استنتج أن أصحاب هذه الأعمال الرائعة يتشاركون أمراً أليماً ما…. ويريدون التعبير عنه بطرق فنية رائدة.
بعبارة أخرى لا يخفى على أي مهتم بالمسألة الجمالية أن المعلم حين ينكب مطرقاً في صبر وذوبان صوفي على معادنه لصياغة تحفة فنية ما يتقصد خلال عمله -المضني وضعيف المردود- الحصول على متعة الاستفراغ العجيبة التي تسمح له بنفث كل عقابيل الهوس الجماعي التي يتعرض لها في حياته اليومية.
لهذا السبب أميل إلى الاعتقاد بأن تعاطي الفنون، من نحت ورسم وصياغة، كان وعلى مدى قرون عديدة هو الطريق العلاجي الوحيد المتاح لهؤلاء القوم للبقاء على قيد الحياة ،عبر ما يعرف في علم النفس الاكلينيكي بالتداوي بالفن، غير ان ظهور المدنية الحديثة أدى إلى تقلص تعاطي الفنون والصنائع الجميلة بين المعلمين وبذلك اختفى الدواء وبقي الداء. وهكذا أصبح المعلم الشاب وقليل المراس وعديم المهارة الحرفية، الذي يعيش في نواكشوط ومثيلاتها، رهين وضعية نفسية صعبة لا يقوى على مكابدتها إلا صنديد نادر.
من هنا بدأت أعراض الانزعاج والألم تظهر على شباب المعلمين وبطبيعة الحال يتفاوت الناس في طرق تعبيرهم، ولقد كنت من بين قلة من المثقفين وأهل الرأي الذين قرروا دعم حراك المعلمين بغية توعية الناس حول هذا الخطب الكبير والفريد.
المعلم، رغم أنه ليس عرضة للرق والاستغلال المادي تبقى مشكلته عويصة جداً، لصعوبة تشخيصها، ولتعلق حلها بالغير وهي تتلخص في كيف سنستطيع إقناع الناس بالتوقف عن السخرية منه والامتناع عن إيذائه والنظر إليه باستعلاء!؟
خلال المحاضرات التي ألقيت في نوادي المعلمين وجدت أمامي المهندس وبجانبه الخياط… والصائغ وبجانبه الطبيب… والقانوني القدير وبقربه سائق الشاحنة …وأغلبهم لا يخفي ألمه ولقد نصحتهم بالجسارة والتعبير عن مكنونات أنفسهم بأمانة فمشكلة” الكاست الافريقي” هي مشكلة “المسكوت عنه” ولم أجرؤ على نصحهم بالعودة للفنون الجميلة رغم معرفتي الطبية بفاعليتها العلاجية خشية اتهامي بالسخرية منهم.
أغلبنا لا يعرف أن المعلم يتألم حين يهم بالمشي لأننا تلقائيا سنحدق في طرفه الأيسر..وسيتجهم في الصباح الباكر لأنه يعرف أننا لا نحب رؤيته في الصباح وسيحتقن في الزوال لأنه يعرف أننا نشبهه بغراب البين ونتطير منه في القيلولة.. وهلم جرا !
إن عنجهيتنا الرعناء وظلاميتنا وعدم اهتمامنا بالمسائل الجمالية… جعلهم جميعا بمثابة كائنات منتهكة في غرورها الذاتي !

أعلن ولد مخيطير توبته مما كتب بعد ساعات من نشره، لكن الدرك اقتاده للسجن، وبعد التحقيق معه أحيل للقضاء للبت في أمره.
أعلن توبته وهو بعد حر طليق، وظل عليها وحتى كتابة هذه الحروف، وهي توبة جلية واضحة وأول من شهد عليها وكيل الجمهورية والمدعي العام الذي اعترف أمام المحكمة أنه سلمه نسخة من المصحف الشريف وسمح له بحيازتها في زنزانته.
بعد اعتماد توبته وتواصل اعتقاله حاول أهله البحث عن شخص يقبل الترافع عنه، عله يساعده في تبليغ حجته، والتمسوا من عشيرتهم العون المادي لمواجهة هذه المحنة العائلية، وبطبيعة الحال تردد أغلب أفراد تلك العشيرة خوفاً من شبهة الحرمة الدينية، لكن العلامة اسلمو ولد سيد المصطف بكل مقامه العلمي وبما لديه من سلطة عشائرية -ورثها أبا عن جد- أفتى من سأله أنه لا حرمة في مساعدة التائب على توبته بل أعتبر “العصب” يلزم شرعيا من التزم به وتترتب عنه المواساة العائلية المعهودة في مثل هذه الحالات.
ذهب أهل مخيطير ومعهم أشخاص من العشيرة المذكورة وطلبوا من العميد محمدن ولد الشدو قبول توكيلهم ومن المعروف أن الأستاذ محمدن ولد الشدو من كبار المحامين والمثقفين في هذه البلاد وله معرفة طولى بالشرع وأحكامه وهو الرجل المناسب لمنازلة فقهية وفكرية بهذا المستوى .
وعدهم الأستاذ محمدن ولد الشدو بدراسة الملف والرد عليهم في أسبوع ولم يتعهد بشيء خلافا لما روجت الصحف المغرضة ، لكن في تلك الأثناء، هاجت في نواكشوط مجاميع غوغائية حشدت ضده وراح متطرفون جهلة يشهرون به وبأبنائه ووقف السلك الوطني للمحامين متفرجاً. امتنعت أجهزة الأمن عن توقيف الغلاة والجهلة.وامتنع القضاء عن النظر في تهديدهم لرجل القانون وامتنعت الأحزاب السياسية عن التعليق على هذا الأمر. بكل صراحة وجد العميد ولد الشدو نفسه وحيداً في مواجهة الثيران فحصل عنده اليقين أن أي عمل قانوني أو فقهي في هذه الأجواء سيكون بلا طائل، فجاء رده على طلب أهل مخيطير سالف الذكر بالاعتذار.
هنا تجدر الإشارة إلى أن أعداداً كبيرة من المحامين قررت رفع دعوى مدنية ضد المتهم.. ولقد استغربت وما زلت استغرب وسأستغرب دائماَ وأبداَ كيف قبل القضاء بدخولهم رحاب المحاكمة كممثل لطرف مدني في هذه القضية؟
مرد استغرابي يعود وبكل بساطة ووضوح إلى القانون الموريتاني نفسه، الذي يجعل فتح الدعوى في المسائل الدينية من اختصاص السلطة وحدها، بحكم قوله بإسلامية الدولة وهو أمر نابع من صميم الفقه الإسلامي الحنيف الذي يفرق بين فقه دار الكفر وفقه دار الإسلام.
في دار الكفر ، وهو مفهوم ينسحب على الدول التي لا يدين اغلب سكانها بالإسلام كفرنسا وربما الدول العلمانية كتركيا أو حتى الدول “المدنية” كمصر التي تعلن صراحة وقوفها بالحياد أمام كل الأديان، في هذه الدول يتعين على كل مسلم قادر رد أي عدوان على دين الله بالطرق الشرعية.
في دار الإسلام أي الدول غير المحايدة والتي تسن قوانينها من الشريعة الإسلامية يتوجب على “السلطان” وحده معاينة هذه المسائل وهو المسئول دون غيره عن إقامة الحدود وهو الممثل الوحيد للأمة الإسلامية وغير ذلك معصية واضحة لما فيه من مزاحمة لأهل الأمر قد تؤدي لخلط الحابل بالنابل.
هنا قد يعتقد القارئ المتحيز ان السلطان عندي في هذه المسألة تعني شخص محمد ولد عبد العزيز، وقد يلمس في ذلك “لحلحةً” يستهجنها، لذلك أنبهه إلى أن السلطان بالمعني الحديث عند جمهور الفقهاء هو الدولة بمجموعها، أي المؤسسات الحاكمة، وفي هذه الحالة هو ممثل النيابة التي كلفها القانون بتمثيل المجتمع الموريتاني المسلم كوحدة اجتماعية مترابطة.
قد يعتقد معترض أنني أروم مصادرة حق الناس في التعبير عن رأي لا يوافقني، وهذا غير صحيح البتة. إذ من حق كل الناس أن يعبروا عن آرائهم بحرية في الصحف والقنوات ولا جدال في ذلك. لكن ساحات المحاكم تضبطها قوانين مكتوبة وواضحة، وتبعاً لذلك لا يجوز الترافع أمامها إلا بصفة واضحة يقبلها القانون، وهنا تجدر الإشارة إلى أن قوانين دولة متعددة الأديان كمصر، تقبل بطبيعتها الحسبة التي تبيح لكل شخص حق مقاضاة من يتهم بازدراء الأديان المعترف بها في تلك البلاد. لكن مصر ليست موريتانيا التي لا تشتمل قوانينها على هذا الأمر، بل تتوقف صلاحيات الغير فيها في مثل هذه المسائل عند حق تنبيه الشرطة والقضاء الواقف على حدوث هذا الصنف من المناكر.
كم كان مؤسفاً هو تغاضى قضاة الدرجة الأولى والثانية عن هذا الخلل ورضوخهم لإلحاح الطرف المدني “المزعوم” وعدم مبالاتهم برأي النيابة العامة، التي اعتبرت تمكين أشخاص طبيعيين من المجادلة -غير المؤسسة قانوناً- بمثابة خرق سافر ومجاني لضمانة رئيسية من ضمانات العدل في القانون الموريتاني وفي ثنايا ذلك ما فيه من منازعةً سافرة لولاة الأمر على صلاحياتهم القانونية والشرعية .

الردة في الشرع

اعلم أيها القارئ-حفظك الله- أنني لا أزعم العالمية ولا أتصدى للفتوى لمعرفتي بمحدودية معارفي الشرعية التي تجعلني أبعد ما أكون عن مراتب الاجتهاد والفتيا ولذلك ليست عندي القدرة ولا الرغبة على تقمص دور الفقيه، وهو الدور الذي يستسهله الكثيرون، لكن من حقي الشرعي كمسلم حريص على عزة الإسلام ورفعته أن أتساءل وأن أستفهم… لا أن أنكر المعلوم من الشرع أو أن استنكره.
من المعلوم عندي -بل من المسلم به- ان الردة ، جريمة جنائية، يضعها جل العلماء في خانة جرائم الحدود وهي العقوبات التي يوكل أمرها للسلطان إن شاء أقامها وان شاء عطلها.. ويعتبرها بعض العلماء غير ذلك بل يفرقون بين الردة العسكرية التي يحمل صاحبها السلاح والردة الفكرية المسالمة ويقولون بأن عقوبة الأولى القتل حداً ويزعمون أن عقوبة الثانية أخروية لا دنيوية.
لقد خلق لي تعريف العالم والعلماء إشكالاً ابستمولوجياً وفكرياً، فمن هو العالم ؟
بكل صراحة لا أعرف كيف يمكن تصنيف المقامات العلمية بواسطة الانطباع فقط ، حيث ألاحظ في هذه البلاد أن ميول التجديد والتميز عن الرأي السائد تؤدي تلقائيا لسحب صفة العالم.. في حين يصبح تكرار الشائع والرائج رافعة إلى المقامات العلوية ، وأجد أن هذا النوع من التصنيفات منحاز بطبعه وعاطفي وغير موضوعي لأنه يتخطى الضوابط الشرعية المعروفة، ويتغافل عن المنهجية العلمية الأكاديمية الموضوعية.
لقد دخلت ذات مرة في نقاش مع احد فقهاء الإخوان المسلمين وكان يعطي للمرحوم حسن البنا صفة العالم ويسحب نفس الصفة من المرحوم جمال البنا، وقد استغربت كيف يمكن سحب هذه الصفة من رجل عاش قرناً كاملاً من البحث والتأليف ومنحها في ذات الوقت لشخص آخر كل كتبه مؤلفات قليلة أقرب ما تكون للبروباغاندا الحزبية.. وسبب استغرابي هو خشيتي من اعتماد الهوى كمعيار شرعي لتصنيف العلماء؟
في موريتانيا يمكن وصف شخص ما بصفة العلامة ، وحين تنقب عن تصانيفه ستصدم من قلتها وان وجدتها ستجدها تشرح المشروح وتلخص المعروف وتحذلقه وتكرره…أي أنها لا تضيف جديداً ولا أدل على ذلك من إنشاء كبار العلماء لمركز يتكفل بتكوين العلماء..وهو عنوان يشي صراحة بقلة زاد بعض العلماء وحاجتهم للتكوين والدراسة و إلا لما قام كبار العلماء بالتفرغ لتدريس العلماء وتكوينهم !
في نفس المضمار نجد أن اغلب أهل العلم مستعد لسحب صفة العالم عن العلماء الذين يخالفونهم في الرأي والاجتهاد وأعتقد أن الأسلم هو احترام كل عالم مسلم ..فالشرع حفظ للعلماء جميعاً مقاماتهم وحرم العدوان عليهم بل حفظهم من أنفسهم ووعدهم بالأجر في حالتي الخطأ والصواب، وتتضح حصانة العلماء في شرع الله على بطلان إقامة الحجة على العالم بأفعاله..وتلكم هي أكبر حصانة فكرية في تاريخ الحضارة الإنسانية.
في موريتانيا تحديداً ينزعج الكثيرون من آراء واجتهادات علماء كبار مثل الدكتور محمد بن مختار الشنقيطي والدكتور محمد المهدي محمد البشير، ويحق لي أن استغرب كيف يمكن نكران صفة العالم على شخص درس العلوم الشرعية واللغوية المعتمدة في محاظرنا وجامعاتنا ونال شهادة الدكتوراه في الشريعة من جامعات عتيدة وقبلته جامعات دول إسلامية عريقة للتدريس فيها ونشرت كتبه في كبريات دور النشر بسبب رأي قد لا يعجب زيدأً أو عمراً من العلماء ؟
من الفخاخ الظريفة التي يذهب إليها التقليديون هنا هو وصفهم هذا الصنف من العلماء بالمفكرين وهي صفة مطاطة مرنة يدخل فيها الأديب والفنان والفيلسوف وتتقصد سحب عباءة التشريع والاجتهاد عنهم بل فيهم من تخطى حدود وآداب الخلاف.. وراح يكفر كل صاحب رأي يختلف مع المعروف عنده أو عند.. العامة!
لهذه الأسباب ومن باب احترام الرأي الآخر، سأسرد عليكم النقاط الواردة في اجتهادات الدكتور محمد بن مختار الشنقيطي -حفظه الله- حول الردة، واسردها لا تفضيلا له على غيره وإنما من باب الاحترام المطلوب لكل العلماء ، وآراء الشنقيطي -في مجملها- تتناغم مع ما ذهب إليه علماء كبار من قبله على رأسهم الإمام المجدد الشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية وتلميذه محمد رشيد رضا وجامع الشريعة بالحقيقة الإمام الأكبر محمود شلتوت والداعية التونسي عبد الفتاح مورو والباحث المدقق جمال البنا والفقيه السوداني حسن الترابي.. ولفيف عظيم ومتزايد من علماء الأمة:
يقول الشنقيطي :
من أعظم المبادئ الإسلامية التي فرَّط فيها المسلمون على مرِّ القرون .. ويبقى باب منع الإكراه في الدين..”
. وردت آية (لا إكراه في الدين) بصيغة من أعم صيغ العموم في اللغة العربية وهي النكرة في سياق النفي والنهي.. مما يعني شمولها لكل الأحوال: ابتداء، واستمرارا، وانتهاء…
عجباً ممن يسألنا ماذا فعلتم بحديث آحاد ملتبس المعنى (من بدَّل دينه فاقتلوه)، ولا يسأل نفسه ماذا فعل بآية محكمة: لا إكراه في الدين
. القطعي(القرآن الكريم) مقدم على الظني حديث الآحاد عند العقلاء، فضلا عن العلماء، والترجيح عند التعارض واجب، وأي تعارض أكبر من حكم تترتب عليه موت أو حياة؟
التمييز بين التسامح ابتداء والقتل انتهاء تكلف وتناقض، وقد وردت الآية بأعم صيغ العموم في العربية كما رأينا النكرة في سياق النفي والنهي
أي الكسبين تفضِّل بين يدي ربك: إزهاق روح بحديث آحاد، أم إحياؤها بآية محكمة؟
ليس قتل المرتد سوى مصيبة من المصائب الفقهية في تاريخنا التي قاد إليها نبذ القرآن وراء الظهور، وجعل الشريعة خادمة للدولة، بدل العكس المفترض
. من جاهَر بالردَّة في مجتمعاتنا فواجبُنا أن نُجاهر بدعوته إلى الإسلام، وليس من حقنا أن نقتله، فربنا عز وجل يقول لا إكراه في الدين
. لو كان ما وقع من قتل للمتمردين في عصر الصحابة حدا شرعيا لما صح تنفيذه دون تقاضٍ. ولم يرد تقاض الردة في عهد النبوة أو الصحابة
. الردة موقف فكري بحت، وليست تحريضا على شيء، إلا إن دعا صاحبها الناس إليها، فعندها تجب مقاومة الفكرة بفكرة
التمييز بين الكفر بالمولد والكفر بالردة يعني أننا نجعل من الجرم أن يولد الإنسان مسلما
. عجبا لمنطق فقهي يؤمن بإكراه المسلمين في الاعتقاد وبحرية غير المسلمين في الاعتقاد
. كانت حروب الصديق ردا على التمرد العسكري على السلطة الشرعية ومنع حقوق الفقراء، ولم تكن لإكراه الناس على الرجوع إلى الإسلام
. الردة أعظم الذنوب في الإسلام، لأنها هدم لأساس الدين، لكن الإسلام لم يضع لها عقوبة دنيوية، لأن الإكراه يجلب النفاق لا الإيمان
صح عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله بعدم قتل المرتد المتمرد بعد القدرة عليه، وذلك في قصة الرهط من بني بكر بن وائل
. قال عمر فيهم: “لأن أكون أخذتهم سِلْما كان أحب إليَّ مما على وجه الأرض من صفراء أو بيضاء… كنت أعرض عليهم الباب الذي خرجوا منه
النفاق كله شر، وهو شر من الكفر الصراح الخالي من النفاق..
أنكر اثنان من أعلام التابعين هما الثوري والنخعي حد الردة وقالا بالاستتابة أبدا
المشهور عند الأحناف عدم قتل المرأة بالردة لأنها لم تكن مقاتلة في المجتمعات القديمة، وهو تمييز موفق بين التمرد العسكري والموقف النظري
قال عمر بن الخطاب بسجن المرتد في خبر صحيح، وهو ما يعني أن الأمر ليس حدا في فهمه، أما التعزير فهو أمر اجتهادي ومصلحي
الاستتابة تحت الضغط مجرد اجتهاد لا يدعمه نص، وتكفي الدعوة للمرتد ولغيره بالحكمة والموعظة الحسنة
الردة نوعان: فكرية وعسكرية. الأولى لا عقوبة عليها في القانون الجنائي الإسلامي، والثانية لها عقوبة تعزيرية تقدرها السلطة الشرعية العادلة
علة التعزير على الردة العسكرية تفريق صف الجماعة، فهي عقوبة على الجريمة المصاحبة لتغيير الدين قديما، لا على تغيير الدين
عقوبة الردة عن الدين الحق عقوبة أخروية عند الله تعالى، وهي أغلظ من أي عقوبة دنيوية يتخيلها البشر، لكن لا عقوبة دنيوية على ذلك
لفظ الردة في عهد النبوة كان يستخدم استخداما واسعا لا يقتصر على معناها ألاعتقادي الذي شاع في كتب الفقه. ومن ذلك أما سلمة فقد ارتدعن هجرته
قتال المرتد المحارب لا يعني قتل المرتد المسالم، وهذا تمييز قديم عزاه ابن حزم إلى طائفة من أهل العلم
لا يصح أصلا عن أبي بكر أنه ظفر بمرتد عن الإسلام غير ممتنع باستتابة فتاب فتركه، أو لم يتب فقتله، هذا ما لا يجدونه ابن حزم: المحلى
القول بأن الإكراه محصور في الإكراه على دخول الدين ابتداء، وأن الإكراه على الرجوع إلى الدين غير داخل في النهي الوارد في الآية.. تكلف بارد
المنافق المعلوم النفاق أفضل من المنافق المستتر وأقل ضررا وخطرا على الإسلام
الخلاصة: لا إكراه على الدين ابتداء ولا استمرارا ولا انتهاء، ولا عقوبة دنيوية للردة في الإسلام، فتمسكوا بكتاب ربكم ودعوا بنيًّات الطريق…”

كما سبق وأسلفت لا يتفق هذا الصوت الشنقيطي المنطقي مع الرأي السائد عند فقهاء موريتانيا من الناحية النظرية –على الأقل- فجل علماء القطر يقولون بوجود عقوبة دنيوية للردة لكن الخلاف في أنواعها محتدم ومنهم من يقبل الاستتابة التامة ومنهم من يمنعها في بعض الحالات وسنبين ذلك لاحقا.
قد يتصور البعض أنني ألوذ بالشنقيطي لتمرير فكرة مسبقة تتقصد إنقاذ عنق ولد مخيطير من حبل المشنقة ولذلك سينفون عنه صفة العالم التي نالها بالسهر والكد والتأليف ، وسينفونها عن الإمام محمد عبده مفتي مصر وعن عشرات العلماء الذين يخالفون المكتسب الفقهي الذي يتمسكون به ، على كل حال سأجادلهم بالحسنى قائلا دوماً: إن خلافات العلماء رحمة ربانية لنا – نحن الجهلة الفقراء- ومكسب حضاري لن نتنازل عنه وهو مكسب لا يحق لأحد أيا تكن شهرته الالتفاف عليه أو طمسه.

السوابق القضائية
السوابق القضائية معروفة في الفقه الشرعي والقانوني ، وهي الدليل المادي الذي يوفر التواتر والثبوتية إذ هي حالات تطبيقية معروفة وتاريخية وتنقسم إلى خانتين كبيرتين بالإيجاب والسلب وبعبارة أكثر وضوحاً خانة الحالات التي حكمت فيها المحاكم بإعدام شخص ما بسبب الردة وخانة امتناع المحاكم عن تطبيق الحد في من ثبتت ردته بالدليل والبرهان.
هنا أسجل عجبي.. فبعد مراجعة كتب التاريخ لم أجد محاكمات أفضت لقتل مرتد سوى ثلاث حالات فقط وعلى مدى خمسة عشر قرناً متتالية من الحياة القانونية الإسلامية مقابل ما لا يحصى من حالات عدم تطبيق هذا الحد والتوقف عند التعزير!
هذه الحالات هي إعدام الشاعر بشار ابن برد وإعدام المتصوف الحلاج وإعدام المفكر السوداني محمود محمد طه فقط !
تشترك هذه الحالات في وجود أبعاد سياسية وجهت المحاكم وجعلتها منحازة..ولا تصلح للاستدلال كسوابق عدلية.
في حالة الشاعر بشار ابن برد ثابت في كتب التاريخ ان الخليفة المهدي الذي أمر بقتله كان يحقد عليه منذ عقود طويلة بسبب مكانته في مجلس هارون الرشيد وابنيه الأمين والمأمون ومن المعروف عن بشار هجاؤه للخليفة المهدي بعد أن منعه من أعطيات تعود عليها في عهود أسلافه وليس بداعي الردة أو الزندقة التي استشفها قاتلوه من تغنيه بالنار وتفضيله لها على العناصر الأخرى.
لا يخفى على أي مهتم بتاريخ الفقه والقضاء أن قضاة بني العباس قد وصلوا ومنذ عهد الرشيد إلى اجتهاد رائع يقول بعدم صلاحية الشعر كدليل إدانة ورفضوا تطبيق حدود الردة والزنا وشرب الخمر والغلمنة على من جاهر بها في شعر مهما كانت صراحته بل درجوا على اعتبار تصنع التقوى في الشعر مزرياً بالشعر والشعراء نزولا عند الآية الكريمة التي تجعل أقوال الشعراء غير مصحوبة بالفعل ونزولاً عند ذم النبي صلى الله عليه وسلم لخصي الشعر.
في ذلك العهد الزاهي والذهبي للحضارة العربية الإسلامية اتفق القضاة على أن فنون وآداب الغواية تدخل في نطاق الشعر وقاسوها عليه ، وبذلك وجد الفلاسفة المجال مفتوحاً للتفكير والجدال وبهذا الاجتهاد القضائي أصبح الفلاسفة هم “الغاوون” الذين ينسحب عليهم ما يحصل للشعراء من هيمان وتفكر وتبعاً لذلك صار كلامهم خارج دائرة البرهنة والاستدلال. اعتقد أنه لولا وجود هذه الصيغة لما وصل العرب لما وصلوا إليه من ازدهار فلسفي وفكري ولنصبت المشانق في كل حي ودسكرة…ومما يدخل في نفس السياق أنه رغم انحراف بعض قيادات الحكم العباسي الذين انتهوا بحرق كتب المتكلمة -سداً للذريعة- يسجل التاريخ امتناع قضاة بني العباس عن الحكم عليهم بعقوبة الإعدام !
إن العقل العربي المتفتق بالعبقرية دائماً، ابتدع ومنذ القدم، ألف طريقة وطريقة للالتفاف على القيود الاجتماعية والفكرية بذكاء لا يوازيه ذكاء أي حضارة بشرية أخرى. وهنا لا أستطيع منع نفسي من التساؤل عن مغزى توافق العرب ومنذ القدم على أسطورة وادي عبقر الذي تسكنه الجن.. وهل يمكن فصل هذه الأسطورة عن أسطورة الجني القرين الذي يقذف إلى الشاعر درره بل وكيف اختلقوا أسماء لقرناء الشعراء وما الفائدة من هذه الأساطير التي يرفضها العقل وتستحيل البرهنة عليها ؟
الهدف الجلي الواضح من هذه الأساطير هو فصل الكاتب عن المكتوب صيانةً لحرية التفكير وضمانةً لحرية الإبداع، نعم فقد فهم عرب الجاهلية – وهم قوم سذج تكبلهم الأمية الأبجدية- انه بدون حرية فكر لن توجد حضارة فرفعوا عن شعراء زمانهم تكاليف ومسؤوليات أقوالهم ومنحوهم حصانة مطلقة وأتى الإسلام ليوطد حرية الفكر والإبداع فمنحهم الحصانة سالفة الذكر وهي الحصانة التي انتهكت وبوحشية يوم قتل بشار ابن برد تحت سياط احد ولاة المهدي… وهنا لا مناص من التذكير بتعريفنا للشاعر حيث أعتقد أن الشاعر ليس فقط صاحب الكلام الموزون المقفى وإنما هو صاحب الشعور المتفكر في الكون والناس!
وهو من يعرف في زماننا بالمثقف !

تثبت كتب التاريخ أن الفيلسوف والمتصوف الحلاج كان رجلاً تقياً ورعاً وكان يعتقد أن الجوهر أهم من الظاهر وتتلخص فلسفته في قوله:

النقطة أصل كل خط، والخط كلّه نقط مجتمعة. فلا غنى للخط عن النقطة، ولا للنقطة عن الخط. وكل خط مستقيم أو منحرف هو متحرك عن النقطة بعينها، وكلّ ما يقع عليه بصر أحد فهو نقطة بين نقطتين. وهذا دليل على تجلّي الحق من كل ما يشاهد وترائيه عن كل ما يعاين. ومن هذا قلت: ما رأيت شيئاً إلاّ رأيت الله فيه.

هذه الأقوال التي تعرف عند أتباع ابن تيمية بالحلول ووحدة الوجود لم تعجب الفقيه محمد ابن داود واعتبرها كفرا بواحاً وطالب بمحاكمة صاحبها فنزل عند رغبته القضاء وقد لعب الوزير حامد ابن العباس دوراً كبيرا في تحريض الخليفة المقتدر ضد الحلاج فحُكم عليه بالإعدام وصلب –رغم حرمة الصلب- على باب خراسان ببغداد.
يذهب جل المؤرخين إلى أن الحلاج كان ينسق حراكاً اجتماعيا التف عليه كثير من الفقراء فتوجست السلطة الحاكمة خيفة من تكتل الفقراء حوله، وعزمت على التخلص منه لأسباب سياسية وليس لسبب ردة أو كفر.
رغم إعدامه حداً وكفراً ..لا يمكن اعتبار ردة الحلاج محل اتفاق بين المسلمين فقد رفضها الشيخ عبد القادر الجيلاني وأعتبر الشيخ الشاذلي أن القول بها يعيب العلماء ويقدح في صدقهم مع أنفسهم ومع الله . وهذه السابقة القضائية لو تم الأخذ بها في أيامنا هذه لحاكمنا وقتلنا أكثر من نصف سكان موريتانيا بسبب ميولهم التصوفية والفلسفية المشابهة.

السابقة الثالثة والأخيرة هي حالة المتصوف السوداني محمود محمد طه شيخ طريقة الفكرة الجمهورية الذي حاول إعادة النظر في أصول الشرع وله قول في وجوب مصالحة إسرائيل واجتهاد مشهور برفض تطبيق قوانين سبتمبر المشتملة على الحدود بحجة أنها تشوه الإسلام وقد تؤدي إلى انفصال الجنوب المسيحي عن الشمال المسلم، كما يقال عنه امتناعه عن الصلاة مع الناس وصيامه الطويل الذي أسماه بالصيام الصمدي.
هذا الرجل الذي قتله القضاء السوداني، عاد القضاء السوداني نفسه ، وحكم ببراءته، وبذلك صار حسب القانون السوداني رجلاً تم اغتياله خارج الشرع من قبل جعفر نميري.
إذن وبكل صراحة لا توجد سوابق قضائية متواترة يمكن الاعتماد عليها لدراسة تطبيقات هذا الحد عبر التاريخ.

السبب في قلة السوابق القضائية – بل في انعدامها- يعود في الأساس إلى عظمة الشريعة الإسلامية نفسها التي اشترطت قبل تنفيذ الحدود شرطين هامين لا جدال حولهما وهما آمرية درأ الحد بالشبهة والصلاحيات الحصرية للسلطان في تنفيذ أو عدم تنفيذ الحد.
اعتبرت الممارسة القضائية الإسلامية -عبر العصور- قول الرسول صلى الله عليه وسلم “..ادرءوا الحدود بالشبهات” قاعدة قانونية آمرة تجعل من واجب القاضي التقصي عن أي شبهة لتجنب تطبيق الحد!
أمام أي نص مكتوب ألزم الشرع القاضي بالبحث عن تأويل مهما كان ضعيفاً بغية تعطيل الحد وهنا أجد من الضروري التذكير بأن كلمة شبهة في لسان العرب لا تعني جزماً الدليل المقنع وإنما ما يشبهه أي المحتمل مهما تضاءل حجمه ، وتلك نقطة رائعة تقدمت فيها منظومتنا الشرعية الإسلامية على كل القوانين الوضعية في ميدان الرأفة والبحث عن أحسن المخارج.
انتماء ولد مخيطير لفئة المعلمين المضطهدة، وكتابته عنهم بهذه الحسرة المنطلقة من كل عقال، يستتبع شبهة المرض النفسي للأسباب سالفة الذكر ومن المعروف أن الشرع رفع القلم عن المختل نفسيا.
لا يفوتني هنا أن أنوه بذكاء القاضي السعودي الذي عاين تغريدات الصحفي السعودي حمزة الكشغري المتهم بالردة ، وتغريدات الكشغري بلغت وقاحة صاحبها مبلغاً تجاوز النازلة موضوع الدرس، لكن القاضي أبقى رأسه على عنقه حيث اعتبر كل ما يُكتب بصيغة التساؤل يدل على الوساوس التي قد تجتاح بعض الشباب وجعل الشك حاملاً لاحتمالين -وإلا صار يقيناً- واعتبر وجود احتمالين مصدراً كافياً لتوفير الشبهة الضرورية لتعطيل الحد وعلى نفس الشاكلة تمكن معاينة نص ولد مخيطير الزاخر بالوساوس والتساؤلات.
السوابق القضائية التي امتنع فيها القضاة أكثر من أن تحصى وإلا لما كان في تراثنا هذا العدد الكبير من من الملاحدة والمعطلة والمعتزلة والمرجئة والمجسمة والمتسائلة والمتفلسفة.. ولما نجت قبائل بايعت مسيلمة وأخرى بايعت زوجه سجاح من القتل الجماعي… ولما تمكن جبلة ابن الايهم من الفرار من مكة يوم الحج الأكبر ولما كتب له لاحقاً الخليفة معاوية يعرض عليه غوطة دمشق إن هو عاد لجلق وتمشى حول قبر جفنة.. ولما خرج المتنبي من السجن بعد ادعائه النبوة ولما ولما ولما….؟؟؟

القانون الموريتاني والشريعة
القانون الجنائي الموريتاني الساري المفعول يعتبر محاولة رائدة في تقنين الشرع الإسلامي وهو نتاج قرائح فقهاء تمتعوا بالسلطة الأخلاقية بسبب التقوى والتبحر في العلوم الإسلامية ومنهم العلامة وكبير القضاة المرحوم محمد سالم ولد عدود.. ومنهم إمام نواكشوط المرابط بداه ولد البصيري طيب الله ثراه ومنهم العالم العامل محمد يحى ولد الشيخ الحسين اسكنه الله المنازل العليا.. وغيرهم من أحبار هذه الأمة وتبعا لذلك يعتبر مرجحاً على غيره بقوة القانون ومن هنا تعتبر مطالبة العوام بالخروج عليه معصية ودعوة صريحة للفتنة… وهذا لا يعني انه لا يحق لعمرو أو لزيد التعبير عن رأي يخالف مضامين هذا القانون أو المطالبة بتغييره في أي اتجاه.. لكنه مادام ساري المفعول يبقى هو الفيصل الوحيد في كل خلاف شرعي أو فقهي من منظور الشرع الإسلامي ومن منظور القوة العمومية.
يقر هذا القانون صراحة بوجود جريمة الردة ويفرق بينها وجريمة الحرابة ولقد حصر أنواع الردة في ثلاث عينات فقط وهي :الزندقة، الردة المتولدة عن ترك الصلاة، الاستهزاء وانتهاك حرمات الله.
تنتفى الزندقة عن هذه النازلة بسبب وجود المجاهرة بالكفر لأن الزندقة هي الكفر المستور الذي يتخفى صاحبه بين المسلمين ويعرف القانون الموريتاني الزنديق بأنه: من يسر الكفر ويعلن الإسلام.
لقد كيف القضاء الموريتاني الجالس بواسطة ديوان التحقيق مقال ولد مخيطير يوم 20 1 2014بالقرار رقم 26/14 قائلاً :”..اننا نصرح بأنه توفر من الأدلة ما يكفي لمتابعة المتهم : محمد الشيخ ولد محمد ولد مخيطير ، المولود سنة 1983بكرو بتهمة الاستهزاء بالرسول عليه الصلاة والسلام وانتهاك حرمات الله المنصوص عليهما وعلى عقوبتهما بالمادة 306(الفقرتين الأولى والثانية)…”وفي نفس الاتجاه أثبتت محكمة نواذيبو الاستئنافية عليه حكم الإعدام بسبب الردة وليس الزندقة ومكنته من التمتع بحقه في التوبة التي تعطل حد الإعدام. واختصارا للمسافة أسرد لكم نص المادة306 بقضها وقضيضها ومباشرة من قانون العقوبات :
“..كل من ارتكب فعلا مخلا بالحياء والقيم الإنسانية أو انتهك حرمة من حرمات الله أو ساعد على ذلك، ولم يكن هذا الفعل داخلاً في جرائم الحدود أوالقصاص أو الدية يعاقب تعزيراً بالحبس من ثلاث أشهر إلى سنتين وبغرامة 5000اوقية إلى 60000أوقية
كل مسلم ذكراً كان أو أنثى ارتد عن الإسلام صراحة ، أو قال أو فعل ما يقتضي أو يتضمن ذلك أو أنكر ما علم من الدين ضرورة، أو استهزأ بالله أو ملائكته أو كتبه أو أنبيائه يحبس ثلاثة أيام ، يستتاب أثنائها فان لم يتب حكم عليه بالقتل كفرا وآل ماله إلى بيت مال المسلمين.
وان تاب قبل تنفيذ الحكم عليه رفعت قضيته بواسطة النيابة إلى المحكمة العليا.
وبتحقق هذه الأخيرة من صدق التوبة تقرر بواسطة مقرر سقوط الحد عنه وإعادة ماله إليه من المادة293الى المادة306
وفي جميع الحالات التي يدرأ فيها الحد عن المتهم بالردة يمكن الحكم عليه بالعقوبات التعزيرية المنصوص عليها في الفقرة الأولى من هذه المادة.
كل شخص يظهر الإسلام ويسر الكفر يعتبر زنديقاً يعاقب بالقتل متى عثر عليه بدون استتابة ولا تقبل توبته إلا إذا أعلنها قبل الاطلاع على زندقته.
كل شخص مكلف امتنع عن أداء الصلاة مع الاعتراف بوجوبها يؤمر بها وينتظر آخر ركعة من الضروري، فان تمادى في الامتناع قتل حداً وان كان منكراً وجوبا قتل كفراً ولا يفعل في تجهيزه ودفنه ما يفعل في موتى المسلمين ويكون ماله لبيت المسلمين. ولا تثبت هذه الجريمة إلا بالإقرار. ”

يستخلص من هذه المادة أن الشرع الإسلامي حسب ما رجحته قوانين الجمهورية الإسلامية الموريتانية التي أجازها علماء القطر،في عمومهم ومنذ ثلاثة عقود ونيف، يقول باستتابة ولد مخيطير ويكلف المحكمة العليا بمعاينة توبته وانه في حال قبولها تسقط عنه عقوبة الإعدام وتستبدل بعقوبة تعزيرية لا تتخطى فترة 24 شهراً وبما انه قد قضى في السجن ما يفوق الفترة المحددة بات لزاماً على القضاء الموريتاني إطلاق سراحه فور معاينة المحكمة العليا لتوبته والتوبة كما هو معروف يستحيل عقلا وشرعاً منعها عن من يقول بها فالله جعل علينا الحكم بالظاهر وتولى عنا السرائر.
يبدو أن إطلاق سراح هذا الشخص يزعج بعض المتنفذين.. ولذلك نشاهد التلكؤ في أوضح حالاته وأعتقد شخصياً أن التجاذبات والمزايدات السياسية الرخيصة بين الحاكم الذي يريد تمثيل دور حامي المقدسات الأول والمعارضة التي تتهمه بالمراءاة.. ارتهن القضاة وجعلهم غير قادرين على معاينة وجدولة الملف في الآجال الطبيعية وقد ينضاف إلى ما سبق شغف بعض المتعالمين بالفتك والغلواء- ولو خارج القانون والشرع- ومن هنا يمكن القول ان المتهم صار -ومنذ شهور- رهينة لإرضاء نزوات كل من سبق ذكره وإلا فما السبب في تأخير جلسة المحكمة العليا ومعاينة توبته؟

الخلاصة :
اعتقد أن المجتمعات الإسلامية في خصوصها وعمومها تعيش فترة مفصلية من تاريخها، فهي تبحث عن وسائل النهضة التي تعرقلها قرون وقرون من تراكمات الجمود الذهني، فنحن ما زلنا أسرى للقرن الثالث للهجرة، وهذا أمر خلق لنا معضلة مستمرة بين المقبول والمعقول فمنذ أن تم إغلاق باب الاجتهاد أصبحنا نعتقد بسذاجة مفرطة أنه ليس أحسن مما كان ، وما زلنا نعاين كل أمر بعيون غيرنا وانطلاقاً من أرضية معرفية مضطربة… ونسينا أن لكل زمان رواده ولكل عصر اجتهاداته وضروراته وحرمنا على أنفسنا المباح وسكنتنا الهواجس فأبحنا الحرام.
أعتقد أن الوقت قد حان لفتح نقاش بين أهل العلم وأهل الحل والعقد بغية تبني قوانين جديدة تتطابق مع شرع الله وتطبقه وتحترم مصالح الجمهورية ومكتسباتها الحقوقية. وهنا لا يفوتني أن انوه بموقف العالم السمح والعارف بالله الشيخ عبد الله ابن بيه-حفظه الله- الذي كتب وقال أكثر من مرة ان مصالح الدول الإسلامية في علاقاتها الخارجية والتزاماتها الدولية تسمح لقادتها بإعادة النظر في أي تقنين شرعي وله على ذلك أدلة وبراهين فقهية بينة وجلية.

لقد أثبت العلم الحديث وأثبتت الوقائع صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان والفضل في ذلك يعود للقرآن الكريم معجزة الرسول الأعظم وهو إعجاز يتضح لكل صادق مع نفسه من خلال ثبوتية النص وحركيته في نفس الوقت… وقد أبلى العلماء في شرح ذلك الباب وأبدعوا.
لا يخفى على كل معني بشؤون القضاء في بلادنا مدى فداحة بعض الثغرات في قانون العقوبات الموريتاني، خصوصاً بعد ان علقت الدولة تنفيذ الحدود، والمشكل هنا ليس في شرعية تعليق الحدود ،فقد استفضت في الحديث عن سلطانية الحدود، وإنما في عدم اشتمال القانون على بدائل عقابية لبعض الحدود.
على سبيل المثال :هل من المنطقي أو من العادل -في شرع الله- أن يتحول المحكوم عليه بالجلد بسبب القذف أو الزنا إلى سجين مدى الحياة بسبب غياب بدائل تعزيرية سكت القانون عنها لأن المشرع وقت سن القانون لم يضع في الحسبان أن حكومة لاحقةً ستعلق تنفيذ الحدود ؟
دعوني أزدكم من الشعر بيتاً متسائلاً أيضاً عن شرعية ممارسة الجمهورية الإسلامية الموريتانية للنفاق على المستوى العالمي ؟
نعم..انه النفاق المزري هذا الذي نشاهده في تناقض قوانيننا.. حيث تنضم بلادنا -دون أي تحفظ- إلى الميثاق العالمي لحقوق الإنسان والميثاق الإفريقي لحقوق الإنسان وكلها مواثيق صادق عليها البرلمان الموريتاني وأصبحت قوانين داخلية ملزمة وكلها تمنع الحدود وتحظرها صراحة.. بل وتعتبرها مساسا بالسلامة الجسدية للإنسان والمساس بسلامة الجسد أمر تصنفه معاهدة روما -التي صادقنا عليها- من بين الجنايات ضد الإنسانية، فلماذا وكيف والى متى سنظل نكذب على أنفسنا وعلى العالم ؟
هذا النفاق الرسمي يجعل حكومتنا في وضعية محرجة أمام نفسها وأمام مواطنيها وأمام قضاتها وأمام العالم وهو أمر مخجل جداً لمن يتشرف بتسمية نفسه بالجمهورية الإسلامية!
لذلك أجدد الدعوة لأهل الأمر في بلادنا.. وأقصد العلماء في الدرجة الأولى.. ثم الساسة في الدرجة الثانية للتباحث في هذا الأمر والخروج بحل لهذه المعضلة، فإذا حصل لدينا إجماع على شرعية البقاء في هذه التجمعات الدولية فلنبق فيها ولنوائم قوانيننا وممارساتنا معها، وإذا استصوب أهل الحل والعقد التنصل منها بحجة تفضيل حكم الله على اجتهادات البشر فلنتنصل من هذه المواثيق والمعاهدات “الكفرية” جهاراً نهاراً، دون مواربة أو مداهنة، وأجرنا على الله.
أطالب بذلك لأنني أؤمن بصدق الإسلام.. وقدسية الشريعة وأحترم كل أحكامها.. وأولها تلك التي تحرم النفاق وتتوعد أهله بقعر جهنم بل بدركها الأسفل..واستغفر لله لي لكم.. ولنتمسك بحب نبي الهداية والرحمة ولنتشوق لرؤيته..ولنبتهج بها دائماً.
والصلاة والسلام على النبي الخاتم وعلى آله الأطهار وصحبه الغر المحجلين.

المحامي محمد ولد أمين



التعليقات

      جميع الحقوق محفوظة لاخبار عاجل موريتانيا